الغزالي

439

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

العبادة ، وقال لها : واللّه ما لي همّة في النساء لشغلي بحالي . فقالت : إنّي لأشغل بحالي منك ، ومالي شهوة ، ولكن ورثت مالا جزيلا من زوجي ، فأردت أن تنفقه على إخوانك ، والأعرف بك الصالحين ، فيكون لي طريقا إلى اللّه عزّ وجل . فقال : حتى استأذن أستاذي . فرجع إلى أبي سليمان الداراني ، قال : وكان ينهاني عن التزويج ، ويقول : ما تزوّج أحد من أصحابنا إلا تغيّر . فلما سمع كلامها قال : تزوّج بها ، فإنها وليّة للّه ، هذا كلام الصدّيقين . قال : فتزوجتها فكان في منزلنا كن من جص ففني من غسل أيدي المستعجلين للخروج بعد الأكل ، فضلا عمّن غسل بالأشنان ، قال : وتزوّجت عليها ثلاث نسوة فكانت تطعمني الطيّبات ، وتطيّبني . وتقول : إذهب بنشاطك وقوّتك إلى أزواجك . وكانت رابعة هذه تشبه في أهل الشام برابعة العدوية البصرية . ومن الواجبات عليها ألّا تفرّط « 1 » في ماله ، بل تحفظه عليه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحلّ لها أن تطعم من بيته إلّا بإذنه إلا الرّطب من الطعام ، الذي يخاف فساده ، فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره ، وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر . ومن حقّها على الوالدين تعليمها حسن المعاشرة ، وآداب العشرة مع الزوج كما روي أن أسماء بنت خارجة الفزارية قالت لابنتها عند التزوّج : إنك خرجت من العشّ الذي فيه درجت ، فصرت إلى فراش لا تعرفينه ، وقرين « 2 » لم تألفيه ، فكوني له أرضا ، يكن لك سماء ، وكوني له مهادا ، يكن لك عمادا ، وكوني له أمة يكن لك عبدا ، لا تلحقي به فيقلاك « 3 » ، ولا تباعدي عنه فينساك ، إذا دنا منك فاقربي منه ، وإن نأى فابعدي عنه ، واحفظي أنفه وسمعه وعينه ، فلا يشمّنّ منك إلا طيّبا ، ولا يسمع إلّا حسنا ، ولا ينظر إلّا جميلا .

--> ( 1 ) تفرط : تقصر في المال حتى تضيعه . ( 2 ) قرين : شريك . ( 3 ) فيقلاك : فيكرهك وينساك .